من قلب الركام.. أكاديمية غزة للسينما تمنح النساء فرصة لرواية حكايات الحرب

في مشهد يجمع بين قسوة الدمار والإصرار على الحياة، افتُتحت أكاديمية غزة للسينما على أنقاض المنازل المدمرة، بالتزامن مع فعاليات الدورة الثانية لمهرجان غزة الدولي لسينما المرأة، التي أقيمت في 26 أكتوبر 2026 بصالة النخيل المدمرة بمنطقة البريج، تحت شعار «نساء يصنعن الحياة من الموت».

وجاء افتتاح الأكاديمية بمثابة خطوة جديدة لإحياء الحركة الثقافية والفنية في القطاع، ومنح النساء مساحة للتعبير عن تجاربهن خلال الحرب، وتوثيق ما عشنه من نزوح وفقد وخوف، من خلال أفلام يصنعنها بأنفسهن، بدلا من الاكتفاء بأن يكن موضوعا لحكايات يرويها الآخرون.

وشهدت فعاليات المهرجان عرض خمسة أفلام أخرجتها نساء من غزة، من إجمالي عشرة أفلام نجحت المشاركات في إنتاجها، في تجربة جمعت بين التدريب والإبداع والتوثيق، وأكدت قدرة المخرجات الفلسطينيات على تحويل التجارب الإنسانية القاسية إلى أعمال سينمائية تحمل أصواتهن ورؤيتهن.

وجاءت المبادرة برعاية وإشراف المخرج الفلسطيني الدكتور عز الدين شلح، مؤسس الأكاديمية، وبمشاركة المنتجة والمخرجة الفلسطينية مي المصري، التي أشرفت على تجربة تدريبية استمرت ثمانية أشهر، شارك فيها 25 فتاة وستة شبان، بهدف اكتشاف المواهب الشابة وتطوير قدراتها في صناعة الأفلام.

وقال شلح إن فكرة الأكاديمية انطلقت من مشاهد معاناة النساء في مخيمات النزوح، وما واجهته كثيرات من مسؤوليات مضاعفة بعد فقدان أزواجهن، مؤكدا أن السينما تمثل شكلا من أشكال التمسك بالحياة، وأن استمرار الإبداع ضرورة للحفاظ على روح الإنسان وقدرته على الحلم وإعادة البناء.

ومن بين الأفلام المشاركة، برز فيلم «دندنة» للمخرجة إسراء ياسين أبو جياب، الذي يتناول حكاية عائلة فلسطينية وجدت في الغناء والموسيقى وسيلة للتخفيف من آثار النزوح والخوف، وتحولت أغنياتها إلى مساحة للدعم النفسي وجمع النازحين في المخيمات حول الفن والتراث الشعبي.

كما تناول فيلم «غرفة الأخبار»، للمخرجة ملاك أبو عودة، قصة الصحفي الكفيف مؤمن البيطار وشقيقته منة، اللذين حاولا مواصلة عملهما الصحفي من داخل منزلهما الذي تعرض للقصف، في حكاية تعكس الإصرار على ممارسة المهنة رغم الظروف القاسية.

وتأتي هذه المبادرة في وقت تعرض فيه القطاع الثقافي والفني في غزة لخسائر واسعة؛ إذ أشار بيان مشترك للجهاز المركزي للإحصاء الفلسطيني ووزارة الثقافة الفلسطينية، صدر في مارس 2025، إلى استشهاد 118 عاملا في القطاع الثقافي خلال عام 2024، إلى جانب تضرر مؤسسات ومراكز ثقافية ومكتبات ودور نشر.

ولا تقتصر أهمية أكاديمية غزة للسينما على تعليم مهارات التصوير والإخراج وصناعة الأفلام، بل تمتد إلى حماية الذاكرة الفلسطينية، ومنح النساء والشباب أدوات لرواية تجاربهم بأصواتهم، ونقل تفاصيل الحياة في غزة إلى العالم.

ففي الوقت الذي تعجز فيه السينما عن إعادة ما دمرته الحرب أو تعويض من فقدوا حياتهم، فإنها تستطيع أن تحفظ الحكايات والوجوه والذكريات، وتؤكد أن الإبداع لا يتوقف أمام الركام، وأن للإنسان حقا في أن يروي قصته بنفسه.

More From Author

بعد موجة ارتفاع الأسعار.. نشتري السيارات الآن أم ننتظر؟

المواعيد الشتوية لغلق المحلات في مصر.. تعرف على ساعات العمل الجديدة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *