الصحفيون يعانون .. وأصحاب الصفحات يتصدرون المشهد بقلم عزت سلامة

اجتماع ضياء رشوان ، وزير الإعلام قبل أيام ، مع مجموعة ممن يطلقون على أنفسهم «صناع المحتوى» ، وما أعقبه من حديث عن أنهم يمثلون مستقبل الشعب المصرى وأن مستقبل البلد سيكون على أكتافهم ، يفتح الباب أمام تساؤلات كثيرة تستحق التوقف أمامها.
بداية لست ضد التطور التكنولوجى ، ولا ضد ظهور منافذ جديدة من التواصل والتأثير عبر منصات السوشيال ميديا ، ولا أنكر أن هناك نماذج جادة تقدم محتوى مفيدا وتستحق التقدير.. لكن السؤال الذي يفرض نفسه : هل كل من امتلك تليفونا محمولا وفتح صفحة على الفيس وأصبح ينشر ما يشاء ، دون ضوابط مهنية أو تأهيل أو مسؤولية ، أصبح إعلاميا وصانع رأى عام ؟ وهل مجرد امتلاك مساحة على مواقع التواصل الاجتماعى يمنح صاحبها صفة تستحق أن تستقبله الحكومة وتحتفى به وتمنحه هذا الحجم من التقدير ؟
وإذا كان هؤلاء يمثلون مستقبل البلاد والعباد ، فأين موقع أصحاب المهنة الحقيقيين من هذا المستقبل ؟ وأين الحكومة ووزير الإعلام وعضو نقابة الصحفيين والنقيب الأسبق والمنتظر من الأوضاع المعيشية والمهنية الصعبة التى يعانى منها الصحفيون والإعلاميون الذين أفنوا أعمارهم فى خدمة المهنة ؟
العاملون في ماسبيرو يعانون معاناة شديدة من تدنى الدخول وتراجع الأوضاع المعيشية ، والصحفيون في المؤسسات القومية والخاصة يواجهون ظروفا اقتصادية قاسية ، حتى أصبح بعضهم عاجزا عن توفير أبسط متطلبات الحياة ، رغم أنهم أصحاب رسالة ، وقادة رأى ، وأصحاب خبرة كبيرة نتيجة سنوات طويلة من العمل والتضحية.
هؤلاء هم صناع المحتوى الحقيقيون ، الذين تعلموا أصول المهنة ، وتحملوا مسؤولية الكلمة ، وخاضوا معارك من أجل الحقيقة ، وقدموا للمجتمع تحقيقات وتحليلات وموضوعات صنعت رأيا عاما وحركت قضايا وفتحت ملفات فساد كانت مغلقة وأزاحت امبراطوريات داخل حصون قوية.
ليس عيبا أن تلتقى الحكومة بالشباب أو تستمع إلى تجارب جديدة في عالم الإعلام الرقمى ، بل إن ذلك أمر مطلوب ، لكن العيب أن يتحول الاهتمام بالجديد إلى تجاهل الأصل من أصحاب المهنة، وأن يصبح أصحاب الخبرة والتاريخ آخر من تفكر فيهم الدولة ، بينما تمنح ألقابا ومكانة إعلامية لكل من يملك متابعين أو مساحة على مواقع التواصل الاجتماعى .
نحن لا نعترض على صناعة المحتوى ، ولكننا نعترض على اختزال الإعلام فيها ، وعلى الخلط بين الشهرة والمهنية ، وبين عدد المتابعين والقدرة على صناعة الوعى ، وبين من يقدم مادة إعلامية مسؤولة ومن يكتفى بإثارة الجدل وجذب المشاهدات بالحق او بالباطل .
قبل أن تتحدث الحكومة ممثلة فى وزير الدولة للإعلام عن مستقبل هذا الشعب الذى سيكون على أكتاف صناع المحتوى ، يجب أن تنظر إلى واقع الصحفيين والإعلاميين الذين صنعوا تاريخ الإعلام المصرى ، وإلى أسرهم التى تعانى ، وإلى مؤسسات إعلامية وصحفية كانت يوما منارات للتنوير وأصبحت عاجزة عن توفير حياة كريمة للعاملين بها. بناء إعلام قوى لا يكون بالاحتفاء بالوجوه الجديدة وحدها ، ولا بمنح صكوك التأثير والشهرة ، وإنما يبدأ بإنقاذ أصحاب المهنة ، واستعادة كرامة الصحفى والإعلامى ، ووضع معايير واضحة تفرق بين الإعلام المهنى والفوضى الرقمية التى نعيشها .
أفيقوا.. صناعة المحتوى شيء ، وصناعة الوعى شيء آخر ، وقد اختلطت الأمور إلى حد لم يعد مقبولا معه أن نترك أصحاب الرسالة الحقيقية يعانون ، بينما نحتفي بمن لا نعرف بعد ما الذى سيقدمونه لهذا البلد .

More From Author

«من هرمز إلى باب المندب».. ندوة تناقش صراع النفوذ والسيطرة على الممرات البحرية

21 ديسمبر.. موعد بداية فصل الشتاء فلكيًا في مصر لعام 2026

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *