تمر السنين… وتتعاقب الأيام… وتتوارى الأحداث، ويظن البعض أنها قد اختفت أو دخلت دائرة النسيان، لكنها في الحقيقة تظل محفوظة ومخزونة في ذاكرة التاريخ، التي لا تنسى الأحداث مهما مر الزمان. وتظل ذاكرة التاريخ متفاعلة… تدرس… وتحلل… وتبعث من جديد عند ظهور حقائق أو معلومات جديدة، لتخرج علينا بتحليلات واستنتاجات تتناسب مع المعطيات الجديدة، وتثري المعلومات التاريخية.
واليوم، وبعد أكثر من نصف قرن مضى على حرب أكتوبر 1973، فإن مراكز الدراسات الاستراتيجية والمعاهد العسكرية في العالم كله ما زالت تدرس نظريات هذه الحرب، وتحلل الأفكار والمفاهيم العسكرية، وخاصة تلك التي قدمها الجانب المصري أثناء الحرب.
لقد كانت حرب أكتوبر 1973، بلا أدنى شك، أحد أهم وأعظم الأحداث التاريخية في العصر الحديث، والتي غيرت العديد من المفاهيم والأفكار والتحولات السياسية والاستراتيجية والعسكرية، ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل امتدت آثارها إلى العديد من مناطق الصراع حول العالم.
ومع انتهاء أعمال القتال في حرب أكتوبر 1973، بدأت وسائل الإعلام تتناول هذا الحدث، وبدأت الأقلام تكتب في محاولات لتغطية مختلف جوانب هذا الحدث الجلل، خاصة السياسية والعسكرية منها. وفي البداية، كانت الاتجاهات الأكثر وضوحًا هي الاتجاهات السياسية، فلقد تغير شكل الصراع في منطقة الشرق الأوسط، بعدما كانت مشكلة الشرق الأوسط أشبه بالجسد المحتضر، خاصة مع رضا القوى العظمى باستمرار “حالة اللاسلم واللاحرب” القائمة آنذاك.
فالقوى الكبرى كانت تنأى بنفسها عن التورط في نزاعات أو صراعات مباشرة، أو حرب لا يعلم أحد نتائجها، خاصة في ظل وجود دلائل وشواهد وتقديرات عسكرية تشير إلى أنه لا أمل، عسكريًا، أمام المصريين والسوريين في إحراز أي نصر عسكري أمام جيش الدفاع الإسرائيلي في أي صراع عسكري محتمل.
والواقع أن القوات المسلحة المصرية كانت قد بدأت، فور هزيمة 1967، في عملية إعادة تنظيم وتسليح الجيش المصري، الذي كان قد فقد أكثر من 70% من أسلحته ومعداته، سواء عندما دمرت القوات الجوية الإسرائيلية الطائرات المصرية على الأرض في المطارات المصرية، أو أثناء مرحلة الانسحاب من سيناء.
وبدأ الجسر الجوي الجديد بين مصر والاتحاد السوفيتي في نقل الأسلحة والمعدات السوفيتية إلى مصر، وشرعت القوات المسلحة المصرية في إعادة تنظيم قواتها فورًا. وهنا يجب علينا أن نشير إلى الفضل الكبير، في هذه المهمة، للفريق محمد فوزي، وزير الحربية، الذي عينه الرئيس جمال عبد الناصر بعد هزيمة 1967، وإقالة المشير عبد الحكيم عامر.
وبدأت القوات المسلحة المصرية، تحت القيادة الصارمة للفريق فوزي، في بناء خط الدفاع الرئيسي غرب قناة السويس، الذي استمر العمل فيه لمدة عام، اطمأن بعدها الرئيس عبد الناصر إلى أن المصريين أصبحوا قادرين على الدفاع عن القناة، وبدأت أعمال القتال بحرب الاستنزاف.
ويُذكر للرئيس عبد الناصر أنه، بعد أن اطمأن إلى أن الخطة الدفاعية غرب قناة السويس قد أصبحت متكاملة، أعطى توجيهاته للفريق محمد فوزي للبدء في التخطيط لاستعادة سيناء، وكانت أول خطة أُطلق عليها اسم “المآذن العالية”.
وفي هذه الأثناء، كانت القوات المسلحة المصرية قد حققت عددًا من الأعمال التي كان من شأنها رفع الروح المعنوية للمقاتل المصري، التي فقدها، للأسف، بعد هزيمة 1967. وكان من أهم هذه الأعمال معركة رأس العش، حين حاولت القوات الإسرائيلية، شرق القناة، التقدم في اتجاه مدينة بورسعيد للاستيلاء على مدينة بورفؤاد، فتصدت لها مجموعة صغيرة من قوات الصاعقة المصرية، وأوقفت تقدم القوات الإسرائيلية، فكان نصرًا عظيمًا تذوق المصريون حلاوته لأول مرة.
كما كان للقوات الجوية المصرية دور كبير في هذه الفترة، عندما قامت بإغارة مفاجئة على العدو الإسرائيلي في عمق سيناء، مما أعطى دفعة جديدة للجيش المصري، وأكد قدرة قواته الجوية على التصدي لأسطورة جيش الدفاع الإسرائيلي، المتمثلة في قواته الجوية.
ثم جاءت الضربة القاتلة للبحرية الإسرائيلية بتدمير المدمرة الإسرائيلية “إيلات”، أكبر القطع البحرية الإسرائيلية، أمام سواحل مدينة بورسعيد. وطلب الإسرائيليون، آنذاك، من القيادة المصرية السماح لهم بانتشال القتلى والغرقى من الجنود الإسرائيليين، دون تدخل من القوات المصرية، في عملية إنسانية.
وسوف يتوقف تاريخ العمليات البحرية طويلًا أمام عملية إغراق المدمرة “إيلات” بواسطة لنشات الصواريخ المصرية صغيرة الحجم، مما دفع مراكز الدراسات الاستراتيجية في العالم كله، وكذلك مراكز البحوث في قيادات القوات البحرية في مختلف الدول، على الفور، إلى دراسة وتحليل هذا العمل العسكري غير النمطي.
ولم تمضِ إلا شهور قليلة على حدوثه، إلا وكان العلم العسكري البحري قد شهد تغييرًا حادًا في المفاهيم الخاصة بفكر تنظيم وتسليح القوات البحرية. وفي المؤتمر السنوي للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية في لندن “IISS”، تم الإعلان عن المفهوم الجديد لتنظيم وتسليح أي قوى بحرية في العالم، والذي سيعتمد على الزوارق واللنشات الصاروخية السريعة، بل أعلنوا أن عصر بناء البوارج وحاملات الطائرات قد انتهى. وبعدها أصبح تطوير القطع البحرية يركز على تطوير تلك الزوارق الصاروخية، التي حقق بها المصريون هذه المعجزة التي غيرت الفكر العسكري في العالم كله.
وتم استبدال المدمرات والبوارج بالقطع البحرية صغيرة الحجم، ذات التسليح النيراني القوي وأجهزة الحرب الإلكترونية. وفي العدد القادم، سنستكمل ماذا حدث، وماذا حققت حرب أكتوبر 1973 للفكر العسكري العالمي.
Email: sfarag.media@outlook.com
